أنهت عملية "عين
الصقر" التي نفذتها القوات الأمريكية ضد
داعش، التوتر الذي ساد مسار العلاقة
بين واشنطن ودمشق، على الأقل على مستوى التقديرات والتخمينات، بعد حادثة مقتل
الأمريكيين الثلاثة في تدمر، وقد حسمت إدارة ترامب موقفها القاضي باعتبار استمرار
الدعم الأمريكي لإدارة الرئيس أحمد
الشرع، قرارا استراتيجيا لا رجعة فيه، وذلك في
سياق مقاربة أمريكية أوسع، تهدف إلى ملء الفراغ في
سوريا، والإشراف على الترتيبات
الإقليمية الجديدة على إثر المتغيرات التي شهدتها المنطقة.
وحسنا فعلت إدارة
ترامب بالهجوم الذي قامت به، في عملية يمكن وصفها بـ"الباغوز الثانية" على
اعتبار أن معركة الباغوز الأولى قد أنهت إمارة داعش بشكلها الذي تأسست عليه بعد
سيطرتها على الموصل والرقة في عامي 2013 و2014، حيث جرى تدمير هياكل داعش العسكرية
والأمنية، وسحق منظومات الأسلحة الثقيلة والمتوسطة بحوزة التنظيم، وسجن آلاف
العناصر في سجون شرق سوريا، الهول والصناعة، بعد مقتل الآلاف من عناصره وفرار
الأعداد الأكبر، واضطرارهم للبحث عن ملاذات آمنة، وغالبا بشكل إفرادي، بعضهم ترك
داعش نهائيا، والبعض الآخر أعاد تنظيم صفوفه، ولكن وفق أساليب وأنماط عمل جديدة
تتكيّف مع المعطيات الجديدة.
بات الهدف الأساسي للتنظيم إبراز أن حكومة الشرع غير قادرة ولا مؤهلة لتحقيق سيطرة أمنية داخلية، ما يدفع إلى الشك بشرعيتها، ومن ثم إخراجها من المعادلات الأمنية التي يجري رسمها في المنطقة
من تلك الأساليب،
حسبما رصدت التقارير المحلية والدولية والدوائر الاستخباراتية، أن التنظيم اتبع سلوب
الخلايا المتناهية الصغر، عنصرين أو ثلاثة، بالإضافة إلى إسلوب الذئاب المنفردة، والتخلي
عن المركزية في اتخاذ القرار والتخطيط، وترك حرية التقدير لكل فرد أو خلية صغيرة،
وهذا ناتج بدرجة كبيرة عن الوضع الأمني المعقّد الذي باتت تواجهه داعش في مسارح
عملها السابقة، كما يتناسب مع السياسة الجديدة بعدم الإعلان عن أسماء الأمراء
والولاة بعد أن تعرّض التنظيم لضربات كبيرة في المستويات القيادية، كما يتناسب مع
ضعف التمويل بعد خسارة التنظيم لمصادر تمويله السابقة.
ويفيد تحليل
العمليات التي قامت بها داعش في سوريا، بعد سقوط نظام الأسد، أن التنظيم بدأ نمط
عمل مختلفا من حيث التكتيك والاستراتيجية المتبعة، إذ إن التنظيم بات يركز بدرجة
كبيرة على المدن والمراكز الحضرية، ولم يعد عمله مقتصرا على المساحات الفارغة خارج
سلطة الدولة السورية الجديدة، بل ضمن إطار ذي أهداف مختلفة، فلم يعد التنظيم يهتم
بالخسائر الكمية والنوعية، مثلما كان يفعل سابقا، بل باتت لعمله أهداف سياسية تتطلب
لتحقيقها عمليات نوعية.
فقد بات الهدف
الأساسي للتنظيم إبراز أن حكومة الشرع غير قادرة ولا مؤهلة لتحقيق سيطرة أمنية داخلية، ما
يدفع إلى الشك بشرعيتها، ومن ثم إخراجها من المعادلات الأمنية التي يجري رسمها في
المنطقة. وفي هذا الإطار، يركز تنظيم داعش على القيام بعمليات في مناطق الأقليات
أو في العاصمة دمشق (تفجير كنيسة مار إلياس في الدويلعة ومحاولة تفجير مقام السيدة
زينب)، وجاءت عملية استهداف الأمريكيين في تدمر، ضمن هذا السياق. ومن الواضح أن
داعش سيستمر في العمل وفق هذا النمط في المرحلة القادمة لتطابقه مع الأهداف التي
وضعها، والتي تقضي بعزل حكومة الشرع دوليا ودفع الداعمين لها إلى اليأس من إمكانية
إخراج سوريا من حالة الفوضى.
ليس سرا أن
عمليات التطويع، غير المنظمة، التي قامت بها حكومة الشرع، قد أدت إلى إدخال عناصر
كثيرة تتبنى الفكر المتطرف، وقد بدا ذلك واضحا في العمليات التي تم تنفيذها في
الساحل والسويداء، والارتكابات البشعة التي قامت بها العناصر وعمليات التنكيل
بالمدنيين على أساس انتمائهم الطائفي، وكان ذلك مؤشرا خطرا على احتمال أن داعش
أعاد تموضعه، ليس على صعيد الجغرافيا السورية، بل على مستوى بنى الجيش والأمن
السوريين، وإذا كان ذلك صحيحا فما حاجتها بالأصل لهياكل مشتتة وموزعة في البادية
بدون طرق إمداد ولا سلاسل قيادة ومنظومات اتصال مكشوفة؟
الحرب الحقيقية على داعش فتحتاج نمطا مختلفا من العمل لا يستطيع القيام به سوى الحكومة السورية عبر إجراءات داخلية تضمن عدم اختراق داعش لبناها العسكرية والأمنية
بناء على هذا
التغيير في أسلوب العمل، كيّفت الأطراف المعادية لداعش عملياتها لتتناسب مع هذا الأسلوب،
حيث تم اعتماد الإنزالات الجوية لضرب هدف أو اصطياد عنصر أو قائد في منطقة معينة،
وفي إطار عمليات استخباراتية معقدّة ومنسّقة بين عدة أطراف، كما جرى اعتماد ضربات
جوية منفردة وعلى فترات متباعدة، ما يعني أن الحرب على داعش كانت تجري بدون بنك
أهداف واضح لعدم وجود هياكل فعلية للتنظيم.
قد يحتاج المراقب
لعين صقر لرؤية الأهداف السبعين التي قالت القيادة الأمريكية إنها ضربتها في
البادية السورية، فهل استطاعت تلك القيادة وخلال أيام معدودة كشف كل تلك الأهداف؟ الأرجح،
إذا صحّت الرواية الأمريكية حول ضرب سبعين هدفا لداعش، أن القيادة كان لديها
معلومات عن تلك المواقع ومخازن الأسلحة والمعسكرات، ما يطرح السؤال عن أسباب عدم استهدافها
لها قبل وقوع حادثة تدمر، لا سيما أن القوات الأمريكية لم تعلن انتهاء حربها على
داعش ولا انسحابها من المنطقة.
في النتيجة، لا
يبدو مهما ما إذا كانت واشنطن قد ضربت أهدافا حقيقية لداعش، الذي تؤكد المعطيات أنه
أعاد تموضعه في الجغرافيا السورية دون الحاجة لوجود هياكل معلومة، الأهم أن عملية "عين
الصقر" جرى تصميمها في سياق تأكيد قدرة أمريكا على إدارة التوازنات في
المنطقة وإمكانياتها في هندسة الوضع الإقليمي في المرحلة القادمة، أما الحرب الحقيقية
على داعش فتحتاج نمطا مختلفا من العمل لا يستطيع القيام به سوى الحكومة السورية
عبر إجراءات داخلية تضمن عدم اختراق داعش لبناها العسكرية والأمنية.
x.com/ghazidahman1