مدونات

أوكرانيا تُشعل النفط وتُربك "صفقة ترامب"

نبيل الجبيلي
"استهداف الطاقة هو بالضبط النوع من الملفات الذي ينسف "التهدئة القابلة للتثبيت"- جيتي
"استهداف الطاقة هو بالضبط النوع من الملفات الذي ينسف "التهدئة القابلة للتثبيت"- جيتي
شارك الخبر
عندما تتحوّل "ضربات الطاقة" إلى رقم قياسي خلال شهر واحد، فتلك لم تعد عمليات عسكرية في هامش الحرب، بل قرار سياسي بامتياز، قرار يضع مبادرة السلام التي يروّج لها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في "مهبّ الريح".

خلال شهر كانون الأول/ ديسمبر الفائت وحده، أحصت وكالة "بلومبرغ" ما لا يقل عن 24 هجوما أوكرانيا على أصول الطاقة الروسية. مصافٍ، ناقلات نفط وأهداف بحرية، وبُنى أنابيب رئيسية.. وهي أعلى حصيلة شهرية منذ اندلاع الحرب، وبأوسع "بنك أهداف" مرتبط بالقطاع الذي يحدد مزاج الأسواق ويؤمّن تدفق الأموال.

الخطر لا يكمن في الأرقام فحسب، بل بما تعنيه سياسيا، إذ تأتي تلك الضربات في لحظة يُقال فيها إنّ مسار الصفقة قد بلغ مراحل متقدمة، لتأتي الضربات الأوكرانية كي تقول للعالم إنّ الحرب ستبقى على السكّة نفسها، بل وبإيقاع أسرع.

ضربات الطاقة الأوكرانية سوف تعطي صورة للرأي العام العالمي مفادها أنّ الحرب خرجت من الميدان لتطال الاقتصاد العالمي، وهذا وحده كافٍ لتقليص هامش المناورة في أي مبادرة سلام

وكالة "رويترز" بدورها نقلت عن الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي في خطاب رأس السنة، أنّ اتفاق السلام بات "مكتملا بنسبة 90 في المئة"، وأن العقدة المتبقية هي 10 في المئة فقط وتتعلق بالأرض والسيطرة، في ظل واقع أنّ روسيا تسيطر على نحو 19 في المئة من الأراضي الأوكرانية. وفي الوقت نفسه، أشارت "رويترز" إلى لقاءٍ بين ترامب وزيلينسكي في فلوريدا تخلّله حديث عن "تقدم" نحو اتفاق. وهذا يعني أن كييف أمام مرحلة حساسة: عندما يصبح الخلاف على الكيلومترات، يصبح أيّ تصعيد على الطاقة "وقودا" لإفشال ما بقي من الثقة.

أنصار هذه الضربات يقدّمونها كأداة ضغط، تحاول تقليص إيرادات روسيا النفطية، وإرباك الإمداد العسكري بالوقود، وكذلك رفع تكلفة الشحن والتأمين. لكنّ السياسة لا تُقاس بالنوايا وإنما بالنتائج، والأرقام نفسها تكشف المفارقة. "رويترز" أوضحت في تقرير مفصلي أنّ روسيا، وبرغم موجة الضربات الأوكرانية التي طالت ما لا يقل عن 17 مصفاة كبرى، وبالرغم من أنّ الأضرار والصيانة المخطط لها دفعت نحو 20 في المئة من طاقة التكرير إلى التوقف بين أشهر آب/ أغسطس وتشرين الأول/ أكتوبر، فإنّ موسكو عوّضت جانبا كبيرا من ذلك عبر استخدام طاقات احتياطية، مما يعني في المحصلة أن نسبة الهبوط في التكرير الروسي لم تتجاوز 3 في المئة فقط، مع بقاء الإنتاج يدور حول 5.2 مليون برميل يوميا.

عمليا، فإنّ "حرب الطاقة" الأوكرانية ليست ذات جدوى، وإنما مكلفة سياسيا ومحدودة الحسم اقتصاديا. بل أكثر من ذلك، فإنّ استهداف المصافي قد يدفع روسيا إلى تعديل مساراتها بدل أن تنهار: في آب/ أغسطس 2025، ذكرت "رويترز" كذلك أنّ موسكو رفعت خطة صادرات النفط الخام بمقدار 200 ألف برميل يوميا خلال الشهر نفسه، وذلك بسبب تعطل المصافي (أي تصدير خام أكثر بدل تكريره داخليا). وفي السياق نفسه، أشارت إلى أنّ ميناء أوست-لوغا كان يعمل بنحو نصف طاقته بعد ضرر طال خط أنابيب

هذا يعني أنّ النتيجة الواقعية هنا، لم تؤدِ إلى "شلَلِ روسيا" مثلما يحاول الإعلام الأوكراني تصوير الأمر، بل تبديل في اتجاهات التدفق. ومع كل تبديل ترتفع الضوضاء في الأسواق، وتتزايد قابلية الملف للاستثمار السياسي ضد مسار السلام، أي ضد كييف نفسها.

ضربات الطاقة الأوكرانية سوف تعطي صورة للرأي العام العالمي مفادها أنّ الحرب خرجت من الميدان لتطال الاقتصاد العالمي، وهذا وحده كافٍ لتقليص هامش المناورة في أي مبادرة سلام

مبادرة ترامب، أيا كانت تفاصيلها النهائية، تقوم على فكرة واحدة: وقف إطلاق نار أو تهدئة قابلة للتثبيت. لكن استهداف الطاقة هو بالضبط النوع من الملفات الذي ينسف "التهدئة القابلة للتثبيت"، لأنّه بات يمسّ حياة الناس مباشرة، ويستدعي ردا سريعا، ويترك أثرا نفسيا أكبر من خسارة موقع على الجبهة.

أما على مستوى واشنطن، فإن استهداف الطاقة يجرّ الملف إلى نقطة حساسة لدى أيّ إدارة أمريكية: سوق النفط، وكلفة المعيشة، ومزاج الداخل. ترامب لا يحتاج إلى تصعيد يرفع المخاطر على الإمدادات كي يبرر استعجال "صفقة" سريعة، بل العكس، فكلما اشتعلت جبهة الطاقة، يصبح من الأسهل سياسيا في واشنطن الدفع باتفاقٍ "كيفما اتفق" لتسكين السوق والرأي العام، وحتى لو كان الاتفاق هشا أو ناقص الضمانات. وهنا تحديدا تصبح الضربات ضد مصلحة أوكرانيا نفسها، لأنّها قد ستتحوّل إلى ضغط أمريكي على كييف لتقديم تنازلات أكبر وأسرع.

من زاوية أبسط، يمكن القول إنّ ضربات الطاقة الأوكرانية سوف تعطي صورة للرأي العام العالمي مفادها أنّ الحرب خرجت من الميدان لتطال الاقتصاد العالمي، وهذا وحده كافٍ لتقليص هامش المناورة في أي مبادرة سلام. حينما تذكر "بلومبرغ" أن شهر كانون الأول/ ديسمبر الفائت وحده قد شهد نحو 24 هجوما على الأقل، وهي "أعلى حصيلة شهرية"، فإن طرفا ما قرّر رفع السقف خلال الشهر الذي تُطبخ فيه الصفقات خلف الأبواب.

وعليه، إذا كانت مبادرة ترامب تقف فعلا عند عتبة الـ10 في المئة التي ذكرها زيلينسكي نفسه، فليس من الحكمة أن تُفتح معركة جديدة على النفط في هذا التوقيت الحرج؛ لأنّ النفط لا يضيف كيلومترا واحدا إلى خط وقف النار، لكنّه يضيف عشرات الذرائع لتأجيله، ويضيف ضغطا دوليا على الطرف الأضعف في لحظة الحسم.
التعليقات (0)