قضايا وآراء

نحو فهم جديد لمعنى "الموالاة النقدية" في تونس

عادل بن عبد الله
"استطاع هؤلاء "الوظيفيون" أن يجدوا لهم موقعا في المشهد العام بحكم تحرك سردية تصحيح المسار ضد دعواها القائلة بالقطيعة مع الماضي تحت شعار "لا عودة إلى الوراء"، وكذلك بالاستفادة من نظام التسمية الموروث من عهد المخلوع" -الأناضول
"استطاع هؤلاء "الوظيفيون" أن يجدوا لهم موقعا في المشهد العام بحكم تحرك سردية تصحيح المسار ضد دعواها القائلة بالقطيعة مع الماضي تحت شعار "لا عودة إلى الوراء"، وكذلك بالاستفادة من نظام التسمية الموروث من عهد المخلوع" -الأناضول
منذ إعلان الرئيس التونسي عن إجراءاته يوم 25 تموز/ يوليو 2021 وتحويل الوضع الاستثنائي المؤقت إلى مرحلة تأسيسية لجمهورية جديدة، نجحت سردية تصحيح المسار في إعادة هندسة المشهد العام بصورة لم تكن تخطر على أكثر العقول سريالية. ورغم حرص السردية السياسية الرسمية و"مفسريها" على شرعنة النظام باعتباره "تأسيسا ثوريا جديدا" وقطيعة جذرية مع مختلف أشكال السلطة التي عرفتها تونس قبل الثورة وبعدها، فإن التعامد الوظيفي بين النواة الصلبة للمنظومة القديمة وبين السردية السلطوية الجديدة فتح الباب أمام "عودة المكبوت"، أي أمام إحياء عدة سلوكيات وخطابات ارتبطت بالمنظومة القديمة في لحظتيها الدستورية والتجمعية مع بعض التعديلات السطحية التي لا تمس جوهر الوظيفة.

سنحاول في هذا المقال أن نبرهن على أن "الموالاة النقدية" ليست وليدة تصحيح المسار وإن كان دوران التعبير "المتناقض" والمشير إليها قد ارتبط بهذه السردية، كما سنحاول البرهنة على أنّ مفهوم الموالاة النقدية لا ينفصل عما يُسمّى بـ"العائلة الديمقراطية" ومكوناتها المختلفة، وهو ما يعني استحالة حصره في الأجسام والشخصيات الاعتبارية المعروفة به دون غيرهم خلال هذه المرحلة من تاريخ تونس، وكذلك استحالة حصر مصداق المفهوم في الأجسام السياسية دون باقي الأجسام المدنية والنقابية والإعلامية والثقافية وغيرها. فالموالاة النقدية -على عكس تعريفها المتداول- هي كل سردية سياسية تتعرف جوهريا بالتقابل مع الإسلام السياسي ومع الاحتكام المبدئي لصناديق الاقتراع وللإرادة الشعبية،
الموالاة النقدية لتصحيح المسار ليست في جوهرها إلا خيارا "وظيفيا" ثابتا منذ عهد المخلوع، ومن بعده حركة نداء تونس وشقوقها، بل هو ما يفسر كذلك التقاطع الموضوعي مع السيدة عبير موسي؛ قاطرة "الاستئصال الصلب" والمعاملة التفضيلية لها داخل البرلمان وخارجه، ويفسر كذلك التعاطف القوي معها حتى بعد استهدافها وسجنها من النظام الحالي
وهي كذلك كل الأجسام التي تفكر بمنطق التناقض الرئيس والتناقض الثانوي -أي سرديتي الاستئصال الناعم والاستئصال الصلب- وهي أجسام لا تتعرف إلا خطابيا بالتقابل مع منظومة الاستعمار الداخلي ومع منظومات الفساد والاستبداد والتبعية، وذلك مهما كانت مسافتها من النظام الحاكم، ومهما كانت واجهة النظام وسرديته السياسية قبل الثورة أو بعدها.

خلال عشرية الانتقال الديمقراطي أو ما تسميه "الموالاة النقدية" بـ"العشرية السوداء"، حرصت أغلب مكونات "العائلة الديمقراطية" على ترسيخ مسافة نقدية جذرية من حركة النهضة منذ المرحلة التأسيسية. وبالتقابل مع هذا الموقف، عملت تلك "العائلة" على إعادة إدماج ورثة المنظومة القديمة وتبييضهم باعتبارهم جزءا من القوى الديمقراطية المؤهلة لمواجهة مشروع "أخونة الدولة" واختراق مؤسساتها ومجتمعها المدني على حد سواء. وهو خيار لم يواجه بمعارضة قوية من لدن "الديمقراطيين" ومن "التوافقيين" داخل حركة النهضة وإن كانت الأسباب متناقضة، وهو ما فصّلنا قول فيه طيّ مقالات سابقة.

رغم أن تعبير "الموالاة النقدية" لم يتشكل خلال "العشرية"، فإن خيارات أغلب مكونات "العائلة الدمقراطية" كانت تعبر عنه دون أن يكون هناك مفهوم "نضيج" له. ولا شك أن غياب التعبير الدال عليه لا يعني غياب مضمونه المتجسد في خطابات/ ممارسات أغلب الأجسام الوسيطة المحسوبة على "الديمقراطيين". فماذا يمكن أن نسميَ الدفع بالصراع الأيديولوجي إلى واجهة المشهد والتقاطع الموضوعي/ الاستراتيجي بين "العائلة الديمقراطية" وبين ورثة المنظومة القديمة إن لم يكن "موالاة نقدية" مواربة؟ وماذا يمكن أن نسمّيَ الاستهداف الممنهج لحركة النهضة وتسفيه خيارات الناخبين، والدعوة سرا وجهرا إلى الانقلاب عليها وإعلان "البيان رقم واحد"، إن لم تكن "موالاة نقدية"؟ وماذا يمكن أن نسميَ إسقاط الترويكا وتشكيل حكومة "الكفاءات" (أي حكومة الإملاءات الداخلية والخارجية بلا أي شرعية انتخابية)؟ بل ماذا يمكن أن نسميَ "الانتخاب المفيد" للمرحوم الباجي قائد السبسي ودعمه ضد الرئيس المرزوقي؛ إن لم يكن "موالاة نقدية" للمنظومة القديمة وورثتها؟

إن الموالاة النقدية لتصحيح المسار ليست في جوهرها إلا خيارا "وظيفيا" ثابتا منذ عهد المخلوع، ومن بعده حركة نداء تونس وشقوقها، بل هو ما يفسر كذلك التقاطع الموضوعي مع السيدة عبير موسي؛ قاطرة "الاستئصال الصلب" والمعاملة التفضيلية لها داخل البرلمان وخارجه، ويفسر كذلك التعاطف القوي معها حتى بعد استهدافها وسجنها من النظام الحالي.

وقد يعترض علينا معترض بأن بعض مكونات "العائلة الديمقراطية" قد اتخذت موقفا نقديا جذريا من تصحيح المسار، وهو ما يجعل الحديث عنها باعتبارها موالاة نقدية مخالفا للحقيقة. ولكن الرد على هذا الاعتراض سهل إذا ما تجاوزنا ما تمارسه السرديات المهيمنة من تحريف للوعي ومن استراتيجيات الإخفاء والإلهاء، بل ما تمارسه من إرهاب فكري من خلال سيطرتها على أنظمة التسمية "المشروعة" والقادرة على توظيف الآلات الدعائية الخاضعة للمنظومة القديمة.

لو أخذنا مثلا حزب العمال (الشيوعي) فإننا سنجد أنه قد اختار موقع المعارضة بعد انتخابات المجلس التأسيسي، واختار بعد ذلك أن يكون جزءا من الانتخاب المفيد للمرحوم قائد السبسي، كما كان من أول المحرضين على الانقلاب على الديمقراطية التمثيلية، وهو إلى الآن لا يعارض تصحيح المسار إلا في سردية سياسية تقوم على تشبيهه بـ"العشرية السوداء" واعتبارها "عشرية النهضة". كما أن حزب العمال لا يعارض "تصحيح المسار" للعودة إلى ما قبله (أي للديمقراطية التمثيلية التي لا تقصي على أساس الهوية)، بل يعارض السردية السلطوية دون أي مشروع وطني جامع، أي بمشروع يحصر الوطنية في "العائلة الديمقراطية" وتقصي سواها.

ولا شك في أن هذا الخطاب السياسي هو في جوهره "موالاة نقدية" مهما ارتفع سقف معارضته، فهو لا يطرح بناء مشترك وطني على أسس القبول بالاختلاف الجذري بين الفاعلين الجماعيين، بل يختزل ذلك مشروعه في مقترحات لا تختلف في جوهرها عن خيارات المخلوع وعن خيارات تصحيح المسار من جهة العلاقة بالإسلام السياسي وبالإرادة الشعبية التي تقف خلفه، بل من جهة العلاقة بالنواة الصلبة لمنظومة الاستعمار الداخلي وأذرعها الوظيفية.

قد يكون من الخطأ أن نحصر من "الموالاة النقدية" في ورثة المعارضة السياسية "الكرتونية" والمجتمع المدني المدجن زمن المخلوع؛ لأن جوهر "الموالاة" قد يوجد في أكثر الخطابات صدامية مع السلطة في بعض السياقات. فالموالاة النقدية عندنا هي كل سردية تدير الاختلاف السياسي بمفردات الصراع الوجودي والنفي المطلق للأعداء. فلا وجود في وعي أصحابها لـ"خصوم" يختلفون عنها جذريا -خاصة الإسلاميين- فالاختلاف المرجعي في المستوى الأيديولوجي مع الإسلاميين يجعل منهم أعداء لا يمكن الوصول معهم إلى تسويات تاريخية أو حتى تقاطعات مؤقتة، ولذلك لا يحضر "الإسلامي" في أغلب السرديات" الديمقراطية" إلا باعتباره "عميلا للخارج" أو "فاسدا" أو "مشروع إرهابي أو تهديدا وجوديا لما يسمى "النمط المجتمعي التونسي". أما منظومة الاستعمار الداخلي فإنها "خصم" يمكن التفاوض معه، أو على الأقل تحمل "انحرافاته" التي هي في الأصل أكبر من مجرد انحرافات سياقية ومؤقتة، بل هي نتائج ضرورية لخيارات منظومة الاستعمار الداخلي منذ الاستقلال الصوري عن فرنسا.

إذا ما أردنا تلخيص ما تقدم، فإننا سنقول إنّ "الموالاة النقدية" الآن- وهنا هي كل تلك السرديات التي تحرص على عدم التماهي مع السلطة، سواء بخطاب نقدي جذري أو خطاب أقرب إلى "النقد البناء" زمن المخلوع، وهي كل تلك السرديات التي لم تتخلص من منطق التناقض الرئيس (مع الرجعية البرجوازية، أي مع النواة الصلبة للمنظومة القديمة وأساطيرها التأسيسية) والتناقض الثانوي (مع الرجعية الدينية المتمثلة خاصة في حركة النهضة والإسلام السياسي الإخواني)، مما يجعلها تلتقي موضوعيا مع النظام القائم أو على الأقل تمنع تشكل أي جبهة سياسية قد تهدد وجوده بصورة جدية. ولا شك عندنا في أن هذا التعريف لن يرضيَ أصحاب الدعاوى الكبيرة والقضايا الصغيرة، أي أصحاب "مصفوفات المشاعر" و"شبكات المصالح" التي تتخفى تحت المزايدات الثورجية الزائفة.

"بؤس" هذه السردية -بجناحيها الثورجي والموالي النقدي- يتمثل في عجزهم عن قراءة سردية تصحيح المسار بعيدا عن مبدأ الرغبة، وهو عجز يجعلهم -من جهة أولى- لا يغادرون مربع الانتقال الديمقراطي وقضاياه الهوياتية التي تستهدف خصما هو الآن في وضعية الموت السريري، كما يجعلهم من جهة ثانية لا يتعاملون مع "تصحيح المسار" باعتباره إنهاءً للحاجة إليهم قبل غيرهم

لقد استطاع هؤلاء "الوظيفيون" أن يجدوا لهم موقعا في المشهد العام بحكم تحرك سردية تصحيح المسار ضد دعواها القائلة بالقطيعة مع الماضي تحت شعار "لا عودة إلى الوراء"، وكذلك بالاستفادة من نظام التسمية الموروث من عهد المخلوع -أو لنقل الوعي السياسي بمفرداته وتحالفاته ومقترحاته ورهاناته- مع الحرص على إدخال بعض التعديلات الخطابية التي لم تمس جوهر الأجسام/الأيديولوجيات الوظيفية قبل "تصحيح المسار" وبعده. ولكن "بؤس" هذه السردية -بجناحيها الثورجي والموالي النقدي- يتمثل في عجزهم عن قراءة سردية تصحيح المسار بعيدا عن مبدأ الرغبة، وهو عجز يجعلهم -من جهة أولى- لا يغادرون مربع الانتقال الديمقراطي وقضاياه الهوياتية التي تستهدف خصما هو الآن في وضعية الموت السريري، كما يجعلهم من جهة ثانية لا يتعاملون مع "تصحيح المسار" باعتباره إنهاءً للحاجة إليهم قبل غيرهم.

ختاما، فإننا قد لا نجانب الصواب إذا ما طرحنا الفرضية التالية: إن قبول الموالاة النقدية بجناحيها المذكورين أعلاه بوضعية التهميش ليس خطأ في قراءة المشهد أو سوء تقدير، بل هو خيار قصدي لأن ثمن ذلك هو منع حركة النهضة من العودة إلى مركز الحقل السياسي وإبقائها في وضعية الملف الأمني-القضائي. وهي فرضية لا يمكن أن نستبعدها بحكم صدورها عن "عائلة ديمقراطية" لم يكن سقف مطالبها -قبل الثورة وبعدها- يتجاوز القضاء على "الخوانجية"، وبعض فتات السلطة والقيمة الاعتبارية داخل الأجسام الوظيفية السياسية والنقابية والمدنية وغيرها. ورغم أن هذا الحد الأدنى المطلوب أصبح هو ذاته ضربا من أحلام اليقظة، فإن أغلب "الديمقراطيين" -من ثورجيين وموالين- ما زالوا حريصين على تذكير السلطة بأهميتهم "الوظيفية"، وحجتهم الأهم في ذلك استحالة الحكم بـ"القوة العارية" دون آلات إسناد أيديولوجية/دعائية تعرف السلطة جيدا أنّ "اليسار الوظيفي" هو الأقدر على إدارتها لخدمة النواة الصلبة لمنظومة الحكم مهما كانت سرديتها/واجهتها السياسية.

x.com/adel_arabi21
التعليقات (0)

خبر عاجل